حيدر حب الله

97

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

علينا الزمان ، وبالنسبة إليه فإنّ الأمس واليوم واحد ، ولهذا قال الفلاسفة باستحالة انعدام الموجود ؛ لأنّ الموجود ينعدم انعداماً نسبيّاً بالنسبة إلينا في أفق الزمان والمكان ، وإلا فإنّنا عندما نتجرّد عن الزمان والمكان فلن نجد ألا أشياء واحدة معاً مجتمعةً لا موزّعةً على عمود الزمان أو لا تلتقي ، ولهذا يقولون بأنّه عند التجرّد يصبح العالم المادي كلّه في قبضتك . فالموضوع هو موضوع إدراك اللازمكانيّة ، وسبب هذا الخطأ هو عدم قدرتنا عادةً على تصوّر الوجود غير المقيّد ، فإذا ثبت الوجود غير المقيّد بدليل أو برهان لم يعد معنى لهذا الإشكال . ثانياً : إنّ علاقة الله بالعالم - من وجهة نظر الكثير من الفلاسفة - ليست علاقة شيء بشيء آخر وكأنّ بينهما حبلًا ، بل وجود الثاني متعلّق بوجود الأول ووجود الأوّل محيط بالثاني ، فطريقة علاقة وجود الله بالعالم لا يصحّ أن نقيسها - فلسفيّاً - على علاقات الأشياء المادية ببعضها . وأحد أسباب الخلل في فهمنا لطبيعة العلاقة بين الله والعالم فلسفياً هي تصوّرنا أنّ علاقة الله بالعالم كعلاقة مثل العلل الإعدادية بمعلولها ، مثل علاقة النجار مع الكرسي ، حيث يقوم النجّار بصنع الكرسي ، ويكون للكرسي وجودها الخاصّ المنفصل عن النجّار بعد وجودها ، أو كعلاقة شخص بآخر في البئر وبينهما حبل ، فإنّ هذه العلاقات تفترض مسافة فاصلة بين العلّة والمعلول ، ولهذا أنت عندما تريد أن تقيس علاقة الله بالعالم بهذه الطريقة تجد نفسك مضطراً لكي تتصوّر الله في هذا العالم كما تتصوّر نفسك فيه ، مع أنّ الله علاقته من نوع علاقة العلّة الفاعلية المفيضة للوجود لا العلل الإعدادية ، فنفوذه في العالم ليس بنحو أنّه يحلّ فيه أو بنحو أنّه يكون فيه ، بل علاقته مثل علاقة ذاتك بحالاتك النفسيّة - إذا أردت أن أشبّه الأمر - فذاتك علّة حالاتك النفسية ، وليست حالاتك النفسية سوى شعاع ذاتك لا أمراً